عن الكتابة المستعصية
من حينٍ إلى حين، لا أجد سبيلًا إلى جرد أفكاري ومشاعري ومساءلتها إلا بالكتابة. طالما أردتُها وحالت دونها أمور كثيرة، ثم أعود إليها حين تتكالب عليّ الظروف، وتتزاحم الأفكار، وتضطرب المشاعر؛ أحاول فهمها وفكفكتها، وإخراجها من فضاء الفكر إلى مساحة الوعي والقصد، فتصير كما وصف القلقشندي صنيع القلم، بعد أن كانت «صورة معقولة باطنة صورة محسوسة ظاهرة». لا أكتب إذن لأني عرفت ما أريد قوله، بل لأعرفه؛ وقد ذكرت جوان ديديون أنها تكتب لتكتشف ما تفكر فيه، وما تريده وما تخشاه. وقالوا في المثل: «لا بد للمصدور من أن ينفث».
أهداني صديقٌ ذات مرة مفكرة لطيفة، ودبّجها بكلمة واحدة: «اكتب»، مستشعرًا فاقتي حين تُحبس الكلمات عن الخروج. وهي الكلمة نفسها التي ألقاها ذو الرمة إلى عيسى بن عمر: «اكتب شعري فالكتاب أعجب إليّ من الحفظ». ولعل صديقي كان يجيب عني، من حيث لا يدري، عن السؤال الذي دعا ريلكه شاعرًا ناشئًا إلى أن يطرحه على نفسه في أهدأ ساعات ليله: «هل عليّ أن أكتب؟».
أجدني محاطًا بدفاتر كثيرة لا أعود إليها إلا عند الحاجة الملحّة. فالكتابة في أوقات الرخاء وهدوء العواصف تستعصي عليّ، وهي في أشد الظروف لا تكاد تجود إلا بسطور قليلة، إلا ما ندر. وعزائي أني لست في هذا بدعًا؛ فقد قال الفرزدق: «وقد يأتي عليّ الحين وقلع ضرس عندي أهون من قول بيت شعر». وحكى المبرد، على جلالة قدره، أنه أراد كتابة رقعة شكر: «فأتعبت نفسي يومًا في ذلك فلم أقدر على ما أرتضيه منها، وكنت أحاول الإفصاح عمّا في ضميري، فينصرف لساني إلى غيره». أما سطوري القليلة تحت وطأة الشدة، فلعل جوابها جواب عبيد بن الأبرص حين استنشده عمرو بن هند في يوم بؤسه: «حال الجريض دون القريض». وقد التمس ابن قتيبة للأمر علّة قريبة، فقال في الكلام المنثور: «فقد يتعذّر على الكاتب الأديب وعلى البليغ الخطيب. ولا يعرف لذلك سبب، إلّا أن يكون من عارض يعترض على الغريزة من سوء غذاء أو خاطر غم».
تمرّ بي هذه الفترة فتحتبس في داخلي آلامي وإحباطاتي، وتعبث مشاعري بأفكاري، ولا أجد لها طريقًا إلى خارجي. وقد قال بشار:
وَلا بُدَّ مِن شَكوى إِلى ذي مُروءَةٍ
يُواسيكَ أَو يُسليكَ أَو يَتَوَجَّعُ
ولعل الدفتر، حين يعزّ ذلك الصاحب، أصبر من يسمع. فأحاول أن أُعمل قلمي ليكتب ولو شيئًا يسيرًا، وأتعزّى بقول الراجز:
رُبَّما واتاكَ حينًا
ثُمَّ يُستَصعَبُ حينًا
وقد تكون حبستي الطويلة هذه ثمرة بعدي عن القراءة.إذ قلّ احتمالي لما يبعث فيّ مشاعر صعبة، أو يحتاج إلى تفكيك وتمحيص، فقلّت قراءتي فيما يستثير هذه الرغبات والملكات، وتبعتها الكتابة. وما كان لي أن أعجب؛ فقد أوصى أسامة بن منقذ: «واكثر من حفظ النظم والنثر، فعلى قدر ما تحفظ منه تقوى فيه». وجعل أبو تمام الشعر مطرًا تسوقه العقول:
وَلَكِنَّهُ صَوبُ العُقولِ إِذا اِنجَلَت
سَحائِبُ مِنهُ أُعقِبَت بِسَحائِبِ
ومن أين يأتي الصوب إذا أقلعت السحائب؟ على أن القراءة للعقاد نبّهتني إلى أن القراءة أوسع من أن تكون وقودًا للقلم؛ فقد نفى أن يهواها ليكتب، وإنما يهواها لأن عنده حياة واحدة في هذه الدنيا، «وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة».
بدأتُ بهذه الكلمات في دفتر جديد، وأنقلها إلى هذه الصفحة البيضاء المعلنة، وأُتبعها بشذرات يومية أو مطوّلات متى استطعت. فقد شكا ابن الجوزي من قبل: «وكم قد خطر لي شيء، فأتشاغل عن إثباته، فيذهب، فأتأسف عليه!»، فجعل كتابه «قيدًا لصيد الخاطر». ولا أطمع أن أخرج منها بصورة نهائية لنفسي، فحسبي ما قاله مونتاني عن مقالاته: «لا أصوّر الكينونة، بل أصوّر العبور». وسآخذ فيها بالرفق الذي أوصى به ابن أبي الأصبع: «والخواطر ينابيع إذا رفق بها جمت، وإذا عنف عليها نزحت».
عساها تحفزني على الكتابة والقراءة، وتعيدني إلى نفسي التي تهت عنها طويلًا وبعيدًا.